الشيخ الدكتور ضياء الدين الصالح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه الغر الميامين ورضي الله عن التابعين لهم باحسان الى يوم الدين، أما بعد:
فإن حياة السيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) تعدُ صفحة خالدة في تاريخ الإسلام الناصع، نقرأ فيها الذروة العليا من مبادئ العفاف والطهارة والاستقامة والعظَمة، فهي من غرس النبوة الطاهر، فقد تولى بنفسه عليه الصلاة والسلام العناية بها وتربيتها مع بقية أخواتها الفضليات،ولقد تجلّت تلك العناية النبوية في الخصائص الفريدة التي تحلّت بها فاطمة الزهراء (رضي الله عنها)، فكانت من سيدات النساء وأفضلهن وأكرمهن عند رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، ومن ناسكات الأصفياء، وصفيات الأتقياء، السيدة البتول، البضعة الشبيهة بالرسول، أشد أولاده بقلبه لصوقاً، وأوَّلهم بعد وفاته به لحوقاً، كانت عن الدنيا ومتعتها عازفة، وبغوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارفة، سيدة نساء العالمين في زمانها، البضعة النبوية والجهة المصطفوية، أمُّ أبيها، بنت سيد الخلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية، وأم الحسنين سيدي شباب اهل الجنة، زوجة اسد الله الغالب بطل المشارق والمغارب علي بن ابي طالب (رضي الله عنه)، أصغر بنات النبيّ (صلى الله عليه واله وسلم) على المشهور، ولم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها؛ لأنها أصيبت به عليه الصلاة والسلام.
ونريد أيها الأحبة في الله في هذه العُجالة، أن نطوف في بستان فضائلها الزاهر، لنقطف من كل شجرة زهرة، ونصنع منها باقة جميلة، نقدمها للمحبين هدية، لنشم عبيرها وعطرها عبر الزمن.
وفضائل السيدة الزهراء كثيرة ومتنوعة، ولا يمكن أن تحصر بكلمات، ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك جله، فهذه بعض الدرر من بحر فضائلها رضي الله عنها وأرضاها:
مولدها:
ولدت السيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) سنة بناء الكعبة، قبل البعثة المحمدية بخمس سنين، وأمها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) سيدة رزان جمعت العقل الحصيف إلى النسب الشريف، وضمت إلى ذلك الاخلاق الفاضلة، والثروة الطائلة؛ فكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وتُنعت بسيدة نساء قريش، أنجبت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالاضافة الى فاطمة، زينب، ورقية، وام كلثوم ومن الذكور القاسم، وعبدالله ويسمى ايضا بالطاهر والطيب، رضوان الله تعالى عليهم اجمعين.
زواجها وأبنائها:
لما شبت السيدة فاطمة وترعرعت، وبلغت من العمر ثماني عشرة سنة، وقيل أحدى وعشرين، تزوجها سيدنا علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه)، وعمره نحو إحدى وعشرين سنة في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بعد معركة بدر الكبرى، ولم يتزوج قبلها ولا عليها.
ولدت له حسنا، وحسينا، ومحسنا مات صغيرا في حياة النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، وأم كلثوم الكبرى التي تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فولدت له زيدا ورقية، ولم يعقبا، وتزوجت بعد عمر عوف بن جعفر، ثم بأخيه محمد، ثم بأخيهما عبد الله، ولم تلد إلا للثاني فولدت له ابنة صغيرة.
وولدت فاطمة الزهراء أيضا زينب الكبرى تزوجها عبد الله بن جعفر فولدت له عدة أولاد، ولها العقب؛ فعقب أبي جعفر انتشر من على، وأم كلثوم وزينب ابنتي فاطمة الزهراء (رضي الله عنها).
ويروي سيدنا علي (رضي الله عنه) قصة زواجه من الزهراء كما جاء في بعض كتب السير فقال: (إني لما تقدمت إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – طالبا منه زواج فاطمة، قال لي: بع درعك وائتني بثمنه حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما، قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني، قال يا أبا الحسن: ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني، فقلت: بلى، فقال عثمان: فإن هذا الدرع هدية مني إليك،فأخت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من عثمان، فدعا النبي له بخير.
ويروى أيضا: أن عليا (رضي الله عنه) باع درعه وأتى بثمنه إلى الرسول ثم قبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الدراهم بكلتا يديه وأعطاها أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، وأردفه بعمار بن ياسر (رضي الله عنه) وبعدة من أصحابه فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضونه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه، حتى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله الذين كانوا معه الباقي.
وروى الإمام أحمد في مسنده عن على بن أبي طالب (رضي الله عنه): أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما زوجه فاطمة، بعث معها خميلة ووسادة من آدم وحشوها ليف ورحيين، ومسقا وجرتين، فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد مرت سنون حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بصبي، فاذهبي فاستخدميه. فقالت: والله أنا طحنت حتى مجلت يداي! فأتت النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: ما جاء بك أي بنية؟! قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت! فقال: ما فعلت؟ قالت: استحيت أن أسأله، فأتياه جميعا، فقال علي يا رسول الله، منّ الله عليك بِسَبيٍ وسعة، فأخدمنا، فقال: ((والله، لا أعطيكما وأدع أهل البيعة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم. ولكني أبيعهم، وأنفق عليهم وأحفظ عليهم إيمانهم، فرجعا فأتاهما وقد دخلا إلى قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما، قال: ألا أخبركما بخير ما سألتماني؟ قالا: بلى. قال: كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان الله عشرا، وتكبران عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين))، قال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال له ابن اللواء: ولا ليلة صفين؟ قال: نعم، وسرى ذلك إلى ذريتهما.
أثر الرسول (صلى الله عليه وسلم) في تربية السيدة فاطمة الزهراء:
لقد كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) المعلم والمربي تأثيرٌ كبيرٌ في شخص ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها، فمن يوم أن جاء جبريل عليه السلام بقوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) الشعراء الآية 214، قام عليه الصلاة والسلام وقال: ((يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا)) رواه البخاري.
وعن ثوبان (رضي الله عنه) قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على فاطمة رضي الله تعالى عنها وأنا معه، وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب، فقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا فاطمة، أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد وفي يدك سلسلة من نار؟)) ثم خرج ولم يقعد، فعمدت فاطمة إلى السلسلة فاشترت غلامًا فأعتقته، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((الحمد لله الذي نجَّى فاطمة من النار)) رواه ابن الاثير في اُسد الغابة، والذهبي في سير اعلام النبلاء.
فاطمة سيدة نساء أهل الجنة:
وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) قالت: (أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النبيّ – صلى الله عليه وآله وسلم- فقال النبي: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمنيه أو عن شماله ثم أسرّ إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله حتى قبض النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- فسألتها، فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرّة، وأنّه عارضني العام مرّتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنكِ أول أهل بيتي لحوقا بي فبكيت، فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك).
وعنها أيضاً قالت: (ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها قالت: وكان بينهما شيء فقالت: يا رسول الله سلها فإنها لا تكذب) رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى إلا أنها قالت: (ما رأيت أحداً أصدق من فاطمة)، ورجالهما رجال الصحيح.
وعنها ايضا رضي الله عنها قالت: (ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً وفي رواية سمتا ولا هديا من فاطمة برسول الله – صلى الله عليه واله وسلم- وكانت إذا دخلت عليه رحَّب بها، وقام فأخذ بيدها فقبَّلها وأجلسها في مجلسه). رواه الترمذي وابو داود والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي.
فاطمة بضعة من النبي صلى الله عليه واله وسلم:
وروي البخاري عن المسوّر بن مخرمة (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((فاطمة بضعة مني فمن أبغضها أغضبني)).
وروى البخاري ومسلم عن المسّور بن مخرمة أيضا في حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن فاطمة أنه قال: ((فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها)).
رعاية مشاعرها:
عن المسور بن مخرمة (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول وهو على المنبر: ((إن بني هاشم بن المغيرة إستأذنوني أن ينكحوا إبنتهم على بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، وإني لست أحرم حلالا، ولا أحلل حراما. ولكن والله لا تجتمع بنت رسول وبنت عدو الله أبدا)). رواه البخاري ومسلم، وفي رواية: ((فإنما فاطمة بضعة مني يرييني ما رابها، ويؤذيني ما أذاها)).
حُسن لقاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لها:
عن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي إذ قال الخادم: إن عليا وفاطمة بالباب فقال: ((قومي افتحي عن أهل بيتي))، فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره، واعتنق عليا بإحدى يديه، وفاطمة بالأخرى فقبل فاطمة، وقبل عليا). رواه الإمام أحمد في مسنده.
شفقتها على أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم):
روي الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: (بينما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي (صلى الله عليه وسلم) وضعه بين كتفيه. قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والنبي ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلمّا قضي النبي صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم).
وروي الشيخان أيضا بسندهما عن أبي حازم عن أبيه أنه سمع سهل بن سعد (رضي الله عنه) يسأل عن جرح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد فقال: (جرح وجه رسول الله وكسرت رباعيّته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجنّ، فما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدّم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا، فألصقته بالجرح فاستمسك الدّم).
كمدها على موت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
روي البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس (رضي الله عنه) قال: لما ثقل النبي (صلى الله عليه وسلم) جعل يتغشّاه فقالت فاطمة (عليها السلام): (وا كرب أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلمّا مات قالت: يا أبتاه أجاب الرب دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلمّا دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟).
حياؤها:
إذا كان مربيها ابوها (صلى الله عليه وسلم) أشد حياءً من العذراء في خدرها، فكيف نتوقع أن تكون هي رضي الله عنها؟ !فلقد بلغ من شدة حيائها رضي الله عنهاأنها كانت تخشى أن يصفها الثوب بعد وفاتها، وأنها استقبحت ذلك كثيرًا حتى جعلت لها أسماء بنت عُمَيْس رضي الله عنها نعشًا، وهو أول ما كان النعش آنذاك. ثم الأكثر من ذلك أنها رضي الله عنها أمرت أسماء أن تغسّلها هي وزوجها فقط، وأن لا تُدخِل عليها أحدًا، فكانت رضي الله عنها أول من غُطِّي نعشها من النساء في الإسلام.
ما روته من الأخبار وأنشأته من الأشعار:
لم ترو الزهراء من الأحاديث إلا قليلا لسرعة موتها بعد أبيها عليه الصلاة والسلام.
مروياتها رضي الله عنها:
روي عنها حديثا في سنن أبي داود، وحديثين في جامع الترمذي، وفي سنن ابن ماجه أربعة أحاديث، وفي مسند أحمد تسعة أحاديث،وفي موطأ مالك حديثين، وفي سنن الدارمي حديثا.
ما ينسب إليها من الشعر:
ومما ينسب إليها من الشعر قولها ترثى أباها كما في سيرة اليعمري:
اِغبَرَّ آفاقُ السَماءِ وَكُوِّرَت … شَمسُ النَهارِ وَأَظلَمُ العَصراتِ
فَالأَرضُ مِن بَعدَ النَّبِيِّ كَئيبَةً … أَسَفاً عَلَيهِ كَثيرةُ الرَجفانِ
فَليَبكِهِ شَرقُ البِلادِ وَغَربُها … وَليَبكِهِ مَضَرُ وَكُلُّ يَماني
وَليَبكِهِ الطَودُ المُعظِمِ جَوُّهُ … وَالبَيتِ ذو الأَستارِ وَالأَركانِ
يا خاتِمَ الرُملِ المُبارَكِ ضَوؤُهُ … صَلى عَلَيكَ مَنزِلِ الفُرقانِ
وروى طاهر بن يحيى العلوي وابن الجوزي في الوفاء عن سيدنا علي (رضي الله عنه): (لما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة فوقفت على قبره، وأخذت قبضة من تراب القبر، وأنشأت تقول: وقيل هو لعلي والله اعلم.
ما عَلَىَّ مِن شَمَّ تُربَةَ أَحمدٍ … أَلّا يَشُمُ مَدى الزَمانِ غَوالِيا
صُبَّت عَلَيَّ مَصائِبٌ لَوأَنَّها … صُبَّت عَلى الأَيّامِ عُدن لَيالِيا
ما قيل فيها من الشعر:
قصيدة رائعة للشاعر الباكستاني الدكتور محمد اقبال (رحمه الله تعالى) في مدح فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
المجدُ يشرقُ من ثلاث مطالع … في مــهد فاطمة فما أعلاها
هي بنت مَن؟ هي زوج مَن؟ هي ام مَن؟ … من ذا يداني في الفخار اباها
هي ومضة من نور عين المصطفى … هادي الشعوب اذا تروم هداها
هو رحمة للعالمين وكعبة الآ … مال في الدنيا وفي آخراها
من ايقظ الفطر النيام بروحه … وكأنه بعد البلى احياها
وأعاد تاريخ الحياة جديدة … مثل العرائس من جديد حلاها
ولزوج فاطمة بسورة (هل أتى) … تاج يفوق الشمس عند ضحاها
أسد بحصن الله يرمي المشكلات … بصقيل يمحو سطور دجاها
ايوانه كوخ وكنز ثرائه … سيف غدى بيمينه تياها
في روض فاطمة نما غصنان لم … ينجبهما في النيرات سواها
فأمير قافلة الجهاد وقطب دائرة … الوئام والاتحاد ابناها
حسن الذي صان الجماعة بعدما … أمسى تفرقها يحل عراها
ترك الخلافه ثم اصبح في الديار … امام الفتها وحسن علاها
وحسين في الابرار والاحرارما … أزكى شمائله وما أنداها
فتعلموا دين اليقين من الحسين … اذا الحوادث اظمات بلظاها
وتعلموا حرية الايمان من … صبر الحسين وقد اجاب نداها
الامهات يلدن للشمس ضياء … وللجواهر حسنها وصفاها
ما سيرة الابناء الا الامهات … فهم اذا بلغوا الرقي صداها
هي أسوة للامهات وقدوة … يترسم القمر المنير خطاها
لما شكا المحتاج خلف رحابها … رقت لتلك النفس في شكواها
جادت لتنقذه برهن خمارها … يا سحب اين نداك من جدواها
نور تهاب النار قدس جلاله … زمنى الكواكب ان تنال ضياها
جعلت من الصبر الجميل غذائها … ورأت رضا الزوج الكريم رضاها
فمها يرتل آى ربك بينما … يدها تدير على الشعير رحاها
بلت وسادتها لآليء دمعها … من طول خشيتها وتقواها
جبريل نحو العرش يرفع دمعها … كالطل يروي في الجنان رباها
حكم محبتها وعموم أهل البيت الاطهار (رضي الله عنهم):
قد تواتر النقل عن أئمة السلف الصالح وأهل العلم جيلاً بعد جيل، على اختلاف أزمانهم وبلدانهم بوجوب محبة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإكرامهم والعناية بهم عموما واهل الكساء خصوصا، ومنهم السيدة فاطمة (رضي الله عنها)، وحفظ وصية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم، ونصّوا على ذلك في أصولهم المعتمدة، ولعلّ كثرة المصنفات التي ألفها أهل السنة في فضائلهم ومناقبهم أكبر دليل على ذلك.
وقد سُئل الامام إبن تيمية: (فما تحبون أهل البيت؟ قلت: محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال: ((أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال: وعترتي أهل بيتي؛ أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي))، قلت: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم قيل: فمن يبغض أهل البيت؟ قلت: من أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) مجموع الفتاوى4/844، وقال إيضا: (ولا ريب أنّ لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقاً على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أنّ قريشاً يستحقون المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل) منهاج السنة النبوية 4/599.
وفاتها رضي الله عنها:
ولم تمكث السيدة فاطمة (رضي الله عنها) بعد وفاة أبيها عليه الصلاة والسلام طويلاً، فلحقت به بعد أشهر قليلة، قيل إنها ستة أو ثلاثة أو اثنان على اختلاف في الروايات.
وفي رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة، لبت فاطمة الزهراء نداء ربها وفرحت باللحوق بأبيها.