رسائل في ذكرى الهجرة

بقلم : الشيخ العلامة الدكتور أحمد حسن الطه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها الإخوة الكرام حياكم الله وبارك فيكم وأثابكم على حضوركم.

الحمد لله رب العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الأمين وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الاخوة الكرام فإن الحديث عن الهجرة النبوية حديث لا تسعه مقالة تقال في حفل ونفوس الناس عموماً مبنية على العجلة ومعاداة المعاداة ولا نريد أن ندخل في موضوع الهجرة واشتقاقها وحقيقتها بالنسبة لنا معاشر المسلمين وماذا تعني وإن كانت هي أهم حدث في الاسلام ولذلك لم يؤرخ الصحابة ولم تتسالم عقول العقلاء واهل النظر في الاسلام على تحديد أو جعل التاريخ إلا من الحدث الهجري لان به يتميز وضعنا من فئة قليلة مستضعفة أذلة مختنقة إلى أمة تملك أرضاً وتبلغ دعوة وتقيم دين الله وتحق الحق وتبطل الباطل فخطورة الهجرة وأهميتها مهمة جداً ولكن نقول إن الله سبحانه وتعالى حين ذكر الهجرة في القرآن ذكرها في آيات عديدة وفي مواضع متكررة، ففي موضع من المواضع بيّن الله جل وعلا أن من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيراً وسعة اذا هناك من يهاجر يجد ويجد مراغما متحولا يجد متنفسا يجد سعة يجد ما يرغم من اخرجه والهجرة والتهجير ألفاظ مؤلمة ولكن قدر الله لا يرد قدر الله على هذه الامة منذ بعثة نبيها صلى الله عليه وسلم انه سيهجر ويوم ذهبت به خديجة الكبرى رضوان الله تعالى عليها إلى ورقة بن نوفل ولما قص عليه القصص قال ما جاء احد بمثل ما جئت به إلا أخرجه قومه أو ناصبوه العداء فقال عليه الصلاة والسلام مستغرباً لكلامه ومتعجباً كيف يخرجوه وهو عندهم الصادق الامين فقال أومخرجي هم؟ فأكد عليه أنك ستخرج أو تُخرج إذن هذه الهجرة دوافعها معروفة ويجب ان يعرفها المسلم ولاسيما المثقف ونتائجها واضحة ولسنا هنا الآن بصدد سرد القصة واستعراضها ولكن المهم أن نبحث هل وضعنا الآن هو الوضع الوردي السار أم هو الوضع المخجل، الوضع المحزن، الوضع الذي تسالمت أجهزة الإعلام في الدنيا على انه وصل الحضيض في الفساد أو دونه دولتان أو ثلاث كيف يكون هذا في دار الخلافة كيف يكون في العراق الذي هو مهد الحضارات هذا العراق الذي الآن جاء الدعي جاء الاجنبي وفرض علينا في الجامعات وفي المعاهد الأخرى مادة أو درس حقوق الانسان ألسنا نعرف حقوق الانسان جاء هو الذي تَنَّكر لحقوق الانسان ولكن مع الاسف ما ذكروا موضوعاً إلا وكان العكس هو الثابت جاءوا بالديمقراطية ولكنه خنق الانسان ويجبر الناس على ما يريدونه هم او اتباعهم او من لف لفهم ولا قيمة للآراء، نحن الآن ينبغي أن ندرك أن معنى الهجرة هي جهد يبذل أو أقصى جهد يبذل لان الله جل وعلا جعل الهجرة في هذا المقام هي ضربا من الجهاد الله امر النبي صلى الله عليه وسلم ان يبلغ فلما لم تعد مكة بيئة صالحة للتبليغ وضويق هو وصحبه واوذوا اذى شديدا اختنقت الانفاس وقل الداخلون في هذا الدين حتى تمضي السنة والثانية والثالثة والخامسة ولم يبلغوا اربعين فمعنى ذلك أن للحرية دورها في انتشار الحق فلابد من الهجرة، والرسول عليه الصلاة والسلام بعد ان فتحت مكة ودخل الناس في دين الله افواجا وانتهى مفعول كلمة هجرة التي كانت تعني الانتقالة من موطن المرء إلى مركز الدعوة وهو المدينة المنورة حيث يقيم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وقف الرسول صلى الله عليه وسلم أمام الجموع وقال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا لا هجرة بمعنى النقلة بالبدن، لا هجرة لأن مكة صارت دار اسلام واصبح الفرد يتنقل، واصبح الاسلام مسموعا، لانه تحت لعلعة السيوف وبريقها لا توجد حرية ولا يوجد فكر ولا ينتشر دين، ولكن بعد ان حصلت بيعة الرضوان وصلح الحديبية واصبح اهل مكة ياتون إلى المدينة وهم على كفرهم واهل المدينة يذهبون إلى مكة وغيرها وهم على إسلامهم واصبح الدين يعرف بالتصرفات، بالأمان، بالأمن، بالصدق، بالطهر، بالنظافة، بالشفقة فانتشر الاسلام حيث الأمن، فإذن يقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن جهاد ونية والجهاد لفظة تعني بذل كل الطاقة لتحقيق المطلوب، الجهد والاجتهاد والجهاد كلها مأخوذ من الجهد وهو بذل كل الطاقة، يعني من يدخر جزءاً من الطاقة لا يقال جاهد فإذن الجَهد والجُهد هو أن يبذل الطاقة لتحقيق المراد وأحيانا الواقع يكون في خطر فلا يجوز ادخار شيء من الطاقة والجهد لان انهاء المشكلة والاسراع بالوصول إلى الهدف هو ربح في ذاته وشفقة على الانسان وتقليل للخسائر ولا يلزم ان يكون الجهد والجهاد مقصورا على السلاح، الجهاد خصوصاً في الحديث هذا “ولكن جهاد ونية” هناك جهاد يتعدى هذا الموضوع، موضوع السلاح ولكن جهاد بالقول جهاد بمحاربة هوى النفس جهاد بإقامة العدل على نفسه على ابنه على قريبه جهاد في تولية الامور للأكفاء الامناء وبدون هذا ليس هناك جهاد هناك تفلت.. إذاً فالجهاد عام في كل مجالات الحياة هذا الجهاد وهذا الجهد ينبغي ان نلاحظ بأنه بعد الفتح لا هجرة ولكن جهاد ونية وتعال إلى النية ما هية النية؟ النية كثير من الاعمال ظاهرها يعجب ولكن عند الله صاحبها الد الخصام لانه لا توجد نية صالحة ومصلحة، كثير من الاقوال ظاهرها معجب او يعجب ولكنه عند الله زائف لان قائله غير صادق لان نيته ليست لله ومن ثم فلحسن النية تصمد الاعمال في الميزان يوم القيامة وبدونها لا اعتبار للعمل بدون نية لأن الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى حصر الاعمال من حيث اعتبارها من حيث قبولها من حيث نتائجها فقال إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فالذي نيته الاصلاح يبارك الله في عمله والذي نيته أن يمدح بما لم يفعل فهو بائس ومفلس واعماله خراب ولا تصلح امة يتزعمها مفسدوها في نواياهم.

أيها الاخوة الكرام وفي هذه المناسبة نتوجه بعدة رسائل:

أولها: إلى السياسيين : ليعلموا بانهم مسؤولون أمام الخلق وأمام الخالق، مسؤولون عن اصلاح الوضع الذي بلغ الحضيض في الفساد الذي لا ينكره أحد، لا أدري هل هناك من ينكر ان العراق يوصم بالفساد الاداري والمالي؟ لا يوجد من ينكر هذا، وعلى هذا فلابد من مكافحة الفساد والقضاء عليه وقطع دابره ولكن بالجد والصراحة واللطف، الفاسدون يصولون ويجولون ويلعبون بأرواح وبالمال العام ولو لم يكن هناك من يحميهم ويتستر عليهم لما بقوا شهراً واحداً.

الرسالة الثانية: إلى المهجرين في ديالى وشرق بابل وجنوب العراق وغيرها: بان هذه سنّة الله تعالى في اوليائه أن يجدوا المضايقة من الظالمين بدءاً بالرسول صلى الله عليه وسلم اذ قال له اذ يخرجك قومه واخرجوه فعلاً، ثانياً أن الله جل وعلا وعدهم، وعد هؤلاء المهجرين والمهاجرين وعدهم بنصره ووعدهم بأن يهلك من عاداهم قال الله سبحانه وتعالى: (وقال الذي كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنَّ في ملَّتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) سورة إبراهيم، الارض التي أخرجوكم منها وهُجِرتم منها سيعيدكم الله إليها، ولنسكننكم الارض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

 الرسالة الثالثة: رسالة إلى العلماء والدعاة والمفكرين والاعلاميين وإلى أصحاب الفضائيات بأن يسهموا جميعا في نشر الامن والطمأنينة والتهدئة وهذا لا يعني السكوت على الباطل والفساد أنا لا أعني بالتهدئة أن اتركوهم يفسدون، لا: لكنه ينبغي ان لا نكون مسعري حرب وأن تعالج الأمور بالحكمة والعدل وروح الإحسان الذي يفتر حرارة العدل وقسوته، ثم نقول لا يعني أن يكون هناك مهادنة لأصحاب الباطل أو دعاة الباطل وليكون الظالم والمظلوم في صعيد واحد، وأن لا تكون المنابر منطلقا للتصعيد وتهييج العواطف كما حصل بعض ذلك من بعض العمائم بيضاءً أو سوداء ومع الأسف حين نقول هذا لأنه واقع ثم إلى السياسيين ينبغي الا يستغلوا هذه العبارات المفرقة والمفتنة التي تؤدي الى التاجيج والتصعيد من اجل كسب سياسي او انتخابي وليكونوا محايدين وليبتغو وجه الله سبحانه وتعالى.

رسالة الى الفضائيات الا تكون مسعرة للحرب فلا ينقلوا ما يثير الفتنة والاتهامات الا في حدود المصلحة والضوابط، وان يتقوا الله تعالى ويتحروا الدقة في نشر الاخبار فقد جاء في الحديث الشريف (كفى بالمرء اثما ان يحدث بكل ما سمع) لا ان يحدثوا بما هو دقيق وغير دقيق يذهب المصداقية وينزع الثقة منهم حتى لم يعد الناس يصدقوا حتى بما هو واقع حقيقة، ومنذ أيام والمعركة قائمة في مجلس النواب والمشاكسة والجدل بين الكتل والاحزاب، والذي يسمع من الخارج يقول ما هذا الاختلاف أهناك فلسفة أهناك قضايا دقيقة عميقة لا يفهمها الا هؤلاء اليست هناك مصلحة عامة ومصلحة واضحة لا يختلف فيها الناس ليكون الشعب العراقي ضحية هذه المشاكسات والتناحر؟! فكم من قانون صوت عليه ولم ينفذ وكم من قانون قدم ولم يرفع وكم من قانون حصلت هناك همسات بين البعض يخرج النواب من القاعة لئلا يحصل النصاب على التصويت ولكن بالتالي الضحية هو الشعب، فلماذا أيها الناس، لماذا، من حق كل عراقي أن يقول الآن خيراتنا بالمليارات من الدولارات، مليارات، مئات المليارات، وبربع عشرها أو أقل من ربع عشرها تبنى أنفاق أو بنيت أنفاق وربطت بين القارات وعبدّت شوارع واسعدت فئات من الناس فما بال العراقيين بأساء ما بالهم لا يأمنون على وطن ولا على دار ولا على خيرات من أن تنهب أو تمتص وتشفط ولا من سموم تدخل حدودها ولا على أمن يضمن الانسان ذهابه وإيابه، ما بال هؤلاء؟ ولكل عاقل أن يقول تمضي السنة وتأتي الثانية ويقال: الوزارة الفلانية بالوكالة والوزارة الفلانية بالوكالة، لا واحدَ ولا اثنتان ولا ثلاث ولا اربع وهي أخطر ما في البلد لماذا بالوكالة هل الوكيل كالأصيل، هل صلاحيات الوكيل كالاصيل هل كل وكيل حرفياً مهيأ، نتائج هذا على من؟ كله على أرواح الناس كله على خيرات البلد كله على مساهمة في الفساد ولذلك: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه إطلاقاً، ولكن هناك دوافع هي أخطر من أن تذكر ولهذا نقول: إن الذي دمر المجتمع وأشقاه هو الفئويات والحزبية والمحاصصة والطائفية والقوميات وما إلى ذلك، يا ناس الآن امم الارض منها على وثنيتها فيها أكثر مما في العراق من ملل ونحل وأعراق ولكنهم يعيشون بسعادة فما بالنا؟!، ما بالنا؟!، هل العيب في الافراد؟!، لا، الملام والسؤال الأعظم والمسؤولية الكبرى هي على المسؤولين، إن السياسيين لو يعلمون نتائج وقوفهم بين يدي الله يوم القيامة يوم يقف الواحد لا يكفيه أن يتساقط لحم وجهه، في يوم تشيب فيه الولدان لو يعلمون نتائجها والله ما تقدموا إليها، نسأل الله تعالى أن يحمي البلد من الفتن والمحن وأن يوحد صف العراقيين وأن يرزقهم الحلم والحكمة وتعظيم حرمات البشر وأن يهيأ لنا من يقودنا إلى شاطئ السلامة بمنه وكرمه وعذراً سيدي رسول الله إن ألفيتني أعرَّج عن مآسي وقضايا لا تسر في ذكرى هجراك ولكن الأمر والمصاب أعظم من التمتع بالذكرى وأنت الذي تؤكد هذه المعاني من حيث أن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشداً، وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله