العام الهجري بين فقه المراجعة وفقه التخطيط

د. طه احمد الزيدي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه: أما بعد..

فتمرُّ على الامة الاسلامية في كل عام ذكرى الهجرة النبوية المباركة التي شكلت مرحلة مفصلية من تاريخ الامة، ونقلة نوعية في الارتقاء من حالة الاستضعاف والقلة والخوف الى حالة من الأمن والتمكين، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(سورة الانفال: 26)، وقال سبحانه: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة النور: 55)

وكانت الهجرة منطلقا لبناء الدولة على اسس متينة، أسهمت في صناعة حضارة اسلامية عالمية، إطارها الرحمة الانسانية، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (سورة الأنبياء:107) ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ) (اخرجه الحاكم وغيره 1/35 وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي).

وهذه المناسبة -وما فيها من وداع واستقبال-  حتى تحقق الاهداف المرجوة من استحضارها، والنفع المبتغى من استذكارها، (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ) (سورة الذاريات: 55)، ولتجاوز استواء الغبن كما روي في الاثر (من استوى يوماه فهو مغبون)، فكيف بمن استوى عاماه فضلا عمن دخل النقص في عمله الصالح وتفاقم عام بعد عام.

ان هذه المعاني تستلزم منا جميعا استحضار نوعين من الفقه هما: فقه المراجعة، وفقه التخطيط والتدبير.

فالأول؛ متعلق بقراءة الماضي، وما استدبر من الحوادث والمواقف، وما تقدم من الاعمال ليتم من خلاله تقويم الاداء وتقوية البناء، ومعالجة مواطن الخلل والضعف، واستخلاص الدروس والعبر، تهيئة للمرحلة القادمة.

والثاني؛ يستدعى وضع برنامج لاستثمار هذه المرحلة وما بعدها، لتحقيق الغاية العظمى من استخلاف الانسان في الارض ليحقق العبودية لله فيما يستطيع.

الهجرة وفقه المراجعة

المراجعة لغة من المعاودة، لأن صاحبها يعيد النظر ويتأمل ما سبق من عمله، والشخصية الانسانية (سواء اكانت فردا ام جماعة) وهي تودع عاما هجريا لا بدّ لها في هذه المرحلة من مراجعة ما قدمت من برامج، وإعادة النظر فيما تبنت من مواقف، وتحرص على تقويم الاداء وتصحيح المسار ان وجدت فيه انحرافا، أو تثابر عليه ان رأت فيه استقامة، وان تأتي بالمزيد ان كشفت في عطائها قصورا، وأن تستبرئ لدينها ان وجدت تطاولا او تجاوزا سواء أكان على القيم التي تؤمن بها وتلتزمها؛ ام على المجتمع الذي تعيش فيه والافراد المحيطين بها، وقد تستعين ببعض ذوي الخبرة في هذه المراجعة لاسيما ان كانت ممن يقتدي بها غيرها، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لابن عمر رضي الله عنهما: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك، وظننت أنك لا تخالفينه (يعني ابن الزبير)، قالت: أما إنك لو نهيتني ما خرجت، (الاستيعاب لابن عبد البر 1/275، والذهبي في سير اعلام النبلاء 2/ 193).

وهذه المراجعة الجادة والعميقة تستلزم ادراك انواع من الفقه، منها:

– فقه المسؤولية: يقول الله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (سورة الصافات:24)، وفي الصحيحين قوله عليه الصلاة والسلام: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) (رواه البخاري ح853، ومسلم ح1829)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (فان الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيعه) (رواه الترمذي ح1705).

والمسؤولية بمعناها الأخلاقي والقانوني: هي ان يتحمل المرء عواقب أعماله، وكلما اتسع نطاق عمل أي فرد أو جماعة وعظم حراكها، تضاعفت المسؤوليات المنوطة بها، وكل من يطالب بالمزيد من الحقوق والاستحقاقات، فانه يقابل بمزيد من تحمل الامانة والمسؤوليات، وذلك للحيلولة دون شيوع الفوضى او التعاطي السلبي مع الاخرين او في المجتمع، فكل حق يقابله واجب، وكل صلاحية تقابلها مسؤولية.

وتتأكد المسؤولية ببعدها الاجتماعي لان الشخصية الاصلاحية ليست جزءا من المجتمع فحسب بل هي جزء فعال ومؤثر فيه، ولذا فهي مسؤولة امام مجتمعها في الحفاظ على قيمه وتقاليده واعرافه الحميدة، ولا تقتصر مسؤوليتها على ما تؤديه داخل مجموعتها او جماعتها فقط، وانما تمتد لتكون ذات صبغة إجتماعية تتجاوز المجموعة الصغيرة والكبيرة، لا سيما ان المصلح هو همزة الوصل بين الرسالة التي يحملها والمجتمع الذي يسعى الى اصلاحه وتغييره، ولذا فان دوره الإجتماعي خارج جماعته لا يقل ابدا عن دوره داخلها بل هو أعظم.

فالمسؤولية الإجتماعية للمصلح هي مسؤوليته كفرد عن مجتمعه او هي مسؤوليته امام ذاته عن رسالته وأمته التي ينتمي اليها، ولذلك حدد منظرو التربية وعلم الإجتماع المسؤولية الإجتماعية بانها: مجموعة الاستجابات الدالة على إهتمام الفرد بالجماعة التي ينتمي اليها من خلال الفهم الكلي لمشكلات تلك الجماعة والمشاركة الفاعلة في حلها.

وأما المسؤولية الدينية فتتجلى من كون كل إنسان ومنه المصلح مسؤولا عن أعماله امام الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)(سورة الحجر)، وهو مسؤول بقدر ما لديه من مقومات وقدرات بدنية ومالية وعلمية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن اربع: عن عمره فيما افناه، وعن شبابه فيم أبلاه (وفي رواية عن جسمه فيم أبلاه)، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من اين اكتسبه وفيم انفقه، (رواه الترمذي ح243)، يقول الدكتور محمد دراز في كتابه (دستور الاخلاق ص151): ستتم مساءلتنا عن جميع استخدامنا لملكاتنا وقدراتنا.

وكل صاحب رسالة وبلاغ سيسأل عن رسالته، مثلما سيُسأل عنه الذين أرسل اليهم، يقول الله تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) (سورة الأعراف: ٦)، وبعض الأعمال لاسيما للنخب والقادة ومن يتصدر أمور العامة فإنّ المسؤولية تكون فيها مضاعفة لأن تأثيرها يتعدى الى الاخرين، جاء في كتاب النبيّ عليه الصلاة والسلام الى هرقل: فإني ادعوك بدعاية الإسلام، اسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) (رواه البخاري ح7، ومسلم ح4707).

فالموجه الصالح المصلح وكذا الموجه الضال المضل المفسد كلاهما تتضاعف مسؤوليتهما الى يوم القيامة، او ما داموا على ذلك بسبب من يتبعونهم او يمتثلون أوامرهم، او يتبنون مواقفهم، فتداعيات هذه المسؤولية لا تنقطع وتبقى دائرتها الزمانية والمكانية في توسع، يقول عليه الصلاة والسلام: (من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، على ان لا ينقص من اجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) (رواه مسلم ح2398) وفي حديث اخر: (من دعا الى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا الى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) (رواه مسلم ح6980) ويضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا على ذلك بابن آدم القاتل: (ليس من نفس تقتل ظلما الا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سنّ القتل) (رواه البخاري ح6890، ومسلم ح4473)، يقول الدكتور محمد دراز في كتابه دستور الاخلاق (ص153): انهم مسؤولون عن الجرائم التي دعوا اليها مسؤوليتهم عما ارتكبوا.

– فقه المحاسبة:  يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(19) (سورة الحشر)، ويروى عنه عليه الصلاة والسلام قوله: الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بعدَ المَوتِ،(رواه الترمذي ح2459، وابن ماجه ح4260)، قال الترمذي: ومعنى قوله من دان نفسه يقول حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة، وفي الاثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر.

فالمحاسبة لها بعد ايجابي في المراجعة من أجل تقويم الأداء وتصحيح المسار في أية مرحلة من مراحل العمل، وكلما كانت اقرب، اصبحت دائرة الضرر أضيق، وأواصر الثقة مع الاخرين أعمق.

الهجرة وفقه التخطيط

إنّ مفهوم التخطيط يعني رسم صورة أو تصور للمستقبل، مع التصميم والتنظيم للعمل للوصول إليها، يزخر به كتاب الله تعالى، وله صور مشرقة في السنة النبوية مما يدل على مشروعيته؛ فالعمل للآخرة والاستعداد ليوم الميعاد الذي حدده الله تعالى لعباده والسعي منه والفوز بالجنة، يعد تخطيطا لجميع العباد في هذه الحياة الدنيا، وان مرحلة النبوة التي تسبق الرسالة تعد تخطيطا ربانيا لرسله للعمل في مرحلة الرسالة وتبليغ الناس دين الله تعالى.

ويخاطب الله تعالى عباده منبها إياهم على التخطيط للغد المتمثل بالآخرة وعدم الانشغال بالدنيا عنها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (سورة الحشر: 18).

ومن يطالع القرآن الكريم يجد صورا عملية عدة للخطط المستقبلية، منها ما جاء في قصة نبي الله موسى عليه السلام والعبد الصالح، حيث ذكرت وقائع لها نتائج مستقبلية مرجوة، يقول الله تعالى على لسان العبد الصالح: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) (سورة الكهف).

وأما التخطيط للأمور الدنيوية فيتجلى التخطيط الاقتصادي والسياسة المالية في قصة نبي الله يوسف عليه السلام وقد وضع لأهل مصر خطة لمدة 15 عاما، راعى فيها سنوات الخصب والجدب يقول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام:قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) (سورة يوسف).

وفي التخطيط العسكري يتحدث القرآن عن خطة النبي عليه السلام في إحدى معاركه: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (سورة آل عمران: 121)، بل يتحدث القرآن عن تخطيط عسكري لأهل الكتاب أمده بضع سنين، مع التفاتة إلى المسلمين أن يعدوا لذلك الأمر فإنهم سيكونون في المستقبل جزءا من الصراع مع القوى الكبرى آنذاك إن أرادوا النصر من بعد تأييد الله لهم، يقول الله تعالى: (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) (سورة الروم).

ولو طالعنا السنة النبوية لوجدناها غنية بالتخطيط، بل وردت فيها مفردة الخطة للدلالة على الإعداد والعمل للمستقبل، وقد أعجب بعض المشركين بهذه الخطة وإنها تدل على الرشد وحسن التدبير من قبل القيادة النبوية، يقول عليه الصلاة والسلام في يوم الحديبية:(والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، ثم يقول صلى الله عليه و سلم للمفاوض عن قريش بديل بن ورقاء الخزاعي: (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينقذن الله أمره)، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال فانطلق حتى أتى قريشا قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود فقال أي قوم ألستم بالوالد ؟ قالوا بلى قال أو لست بالولد ؟ قالوا بلى قال فهل تتهمونني ؟ قالوا لا قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا بلى قال فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها. (رواه البخاري ح2581).

وفي مسألة الهجرة التي نعيش ذكراها يتجلى لنا التخطيط النبوي عند اتخاذه القرار بالهجرة إلى الحبشة في ظل تسلط قريش وقوة علاقاتها الخارجية مع الدول المحيطة بها، يذكر ابن هشام في سيرته (1/328)، إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ما في اصحابه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه.

 بل ان هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة كانت على اثر تخطيط محكم ودراسة متقنة بدأت منذ أن عرض النبي عليه الصلاة والسلام نفسه على القبائل ولقائه بوفد من يثرب  مرورا ببيعة العقبة الأولى انتهاء بهجرته مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وما صاحبها من تدبير نبوي متقن، ورؤية مستقبلية مدروسة من جميع جوانبها وأبعادها الزمانية والمكانية، واختيار بعض القائمين باعمالها.

وحثّ عليه الصلاة والسلام أمته على التخطيط واستشراف المستقبل والتهيئة لأحداثه ووقائعه، من خلال إخبارهم ببعض حوادثه ليجعلها اضاءات تنير لهم رؤيتهم الاستشرافية ويستهدون بها في تدبيرهم وإعدادهم للقادم، مثل أحاديث الفتن والملاحم واشراط الساعة وعلاماتها.

وصار التخطيط (وقد يعبر عنه بالتدبير) سمة الخلفاء والقادة، وتجلت في أعمال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لاسيما بعد أن انشأ الدواوين ومصر الامصار، بل يشترط بعض من كتب في السياسة الشرعية في اختيار العمال والولاة حسن تخطيطهم وان يكونوا من أصحاب الرؤى المستقبلية، يقول عبد الحميد بن يحيى احد كتاب الدولة الأموية: ان الكاتب يعلم بحسن أدبه، وبفضل عقله وسابق تجربته، يعلم الأمور والنوازل قبل نزولها، فيعد لكل أمر عدته، ويقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الرسول والعلم (ص44): والحقيقة أن فكرة الدين في جوهرها قائمة على أساس التخطيط للمستقبل، ففيه يأخذ المرء المتدين من يومه لغده، وبعبارة أخرى، يأخذ من حياته لموته ومن دنياه لآخرته، ولا بد له أن يخطط حياته، ويصنع لنفسه منهاجا يوصله إلى الغاية، وهي رضوان الله ومثوبته.

فالتدبير والتخطيط للمستقبل سمة من سمات العمل الاسلامي، تجعل المسلمين (أفرادا وجماعات) يعرفون ما يريدون، والى أين يريدون أن يصلوا، وكيفية الوصول إلى ما يريدون الوصول إليه سواء في الأمور الدنيوية أو أمور الآخرة، وهو ليس رجما بالغيب، وإنما إعمال للعقل وتوظيف للتفكير الذي وهبه الله تعالى للإنسان لتحقيق أهدافه الدينية والدنيوية باستغلال كل الظروف المتاحة لإنجاز ذلك بنجاح، يقول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (سورة القصص: 77).

ويتعلق بفقه التخطيط انواع أخرى من الفقه لا بد من الالمام بها وتفعيلها ليؤدي غرضه ويبلغ مقصده، ولعل أبرزها:

– فقه التعاون؛  يقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (رواه مسلم ح7028)، وهذا الفقه يستلزم التحرر من نزعة التنافس التي طغت بالأمس على مشهد الحركات الاسلامية، وتطغى اليوم على مشهد التصدر السياسي لبعض الحركات، والتنافس وان حقق لأهله نصرا او نجاحا الا انه لا يحقق تمكينا لهم، بل قد يسلب من النجاح بعض استحقاقاته ان لم نقل اكثرها، وثمار التعاون اكثر وانضج من ثمار التنافس ولذلك نهى عليه الصلاة والسلام عنه بقوله: (لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَنَافَسُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) (رواه البخاري ح5605، ومسلم ح 4646)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ) (رواه مسلم ح6706).

فالتمكين لا يكون الا حينما تتمكن فينا روح التعاون لا روح المنافسة، والعمل التعاوني اكثر عطاء من العمل التنافسي كما يقول علماء الادارة والاقتصاد.

– فقه التكامل:  التكامل له منطلقان تكامل الذات، وتكامل مع الاخرين، فالاول مبني على استكمال مقومات الشخصية المبدعة والقوية (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) (رواه مسلم ح2664)، وعدم احتقار النفس والاستهانة بها واماتة طموحاتها، والثاني قائم على قواعد الاخوة والالفة والاعتصام والاجتماع، وعلى ضرورة استثمار طاقات ابناء الامة كافة، وعدم احتقار او مصادرة ايّ جهد وان كان صغيرا، يقول الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (سورة آل عمران:103)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) (رواه البخاري ح2897، ومسلم ح319)، وفي رواية الطبراني (ح56): إن الله ليؤيد الإسلام برجال ما هم من أهله، وفي رواية اخرى للطبراني (ح2737): بأناس لا خلاق لهم، فالانفرادية لا سيما في القضايا المصيرية والاستعلاء على الشركاء في العمل والمصير واحتقار عطائهم، فضلا عن كونها مذمومة فإنها تذهب بالإنجاز كله أو اكثره، وتمحق بركة العمل الجماعي ورشده، وتضيع مضاعفة أجره، وتدفع الخصم الى النيل منا شيئا فشيء، كما حذر من ذلك النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَة ((رواه ابو داود ح547)، وفي الصحيحين قوله عليه الصلاة والسلام: (صَلاَةُ الْجَمَاعَة أفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)(رواه البخاري ح645، ومسلم ح650)، بل ذمّ الله تعالى اغفال ذلك وجعله من صفات الامم المغضوب عليها: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا) (سورة الاعراف: 38).

فقه التراكم

الرسالة السماوية قامت على مبدأ التراكمية في البناء، فكل نبي ينطلق من رسالة من سبقه بل ان اصول الاعتقاد واحدة ثابتة، وان تنوعت الشرائع، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) (سورة الأنبياء: 25)، وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) (سورة الأنعام)، وفي الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِد، وفي رواية مسلم: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: كَيْفَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ، وأوْلاَدُ العَلَّات: الَّذِينَ أمَّهاتُهم مُخْتَلفةٌ وَأَبُوهُمْ واحِدٌ، أرادَ صلي الله عليه وسلم أنَّ إيمانَ جميع الأنبياء واحِدٌ وشرائِعَهُم مُخْتَلِفة. (النهاية في غريب الحديث والأثر 3/291).

ويقرب عليه الصلاة والسلام ذلك المعنى بمثل البناء، يقول عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) (رواه البخاري ح3342)، وفي رواية مسلم: (مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم: فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ).

ويمثل الإسلام قمة تراكمية التشريع فهو دين الأنبياء جميعا، قال الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13)، ولا يقبل الله من عباده دينا غيره لانه مبلغ الكمال، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (سورة آل عمران: 19)، ويقول سبحانه: قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) (سورة آل عمران).

ان اعتماد التراكمية في التخطيط والعمل، يختزل الجهد ويستثمر الوقت وينتفع من تجارب الاخرين، ويرتقي في البناء، فالكل شركاء في الحضارة الانسانية.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.